عمر فروخ
390
تاريخ الأدب العربي
على المختلس . كل امرئ منكم يذبّ عن سفيهه « 1 » ، صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا « 2 » . ما أنتم بالحلماء وقد اتبعتم السفهاء . فلم يزل ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب « 3 » . حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض هدما وإحراقا ! إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوّله : لين في غير ضعف ، وشدّة في غير عنف . وإني أقسم باللّه ، لآخذنّ الوليّ منكم بالمولى ، والمقيم بالظاعن ، والمطيع بالعاصي ، والسليم منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : انج ، سعد ، فقد هلك سعيد ! أو تستقيم لي قناتكم . وقد أحدثتم أحداثا لم تكن . وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة : فمن غرّق قوما غرّقناه « 4 » ، ومن نقب عن بيت نقبنا عن قلبه ، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيّا . فكفّوا عني أيديكم أكفف عنكم يدي ولساني ، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامّتكم الا ضربت عنقه . وقد كانت بينكم وبين أقوام إحن ، فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي . فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته . إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته « 5 » . فإن فعل ذلك لم أناظره . فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم . فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ ، وربّ مسرور بقدومنا سيبتئس !
--> ( 1 ) يذب عن سفيهه : يدافع عن الأشرار الذين ينفذون مآربه ويبرر أعمالهم . ( 2 ) المعاد : البعث في الآخرة . ( 3 ) أطرقوا ( هدأوا ، اختبئوا ) وراءكم ( محتمين بكم ) كنوسا ( جمع كانس : مختف ) في مكانس الريب ( الأماكن المشبوهة ) . ( 4 ) غرق قوما : فجر في أرضهم الماء ( لكثرة المياه في البصرة ) . ( 5 ) يبدي لي صفحته : يشكو إلي ما به من تلقاء نفسه .